محمد بن جرير الطبري
144
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قراء المدينة غير أبي جعفر ، وعامة قراء الكوفة : أُقِّتَتْ بالألف وتشديد القاف ، وقرأه بعض قراء البصرة بالواو وتشديد القاف : " وقتت " وقرأه أبو جعفر : " وقتت " بالواو وتخفيف القاف . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن كل ذلك قراءات معروفات ولغات مشهورات بمعنى واحد ، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب ، وإنما هو فعلت من الوقت ، غير أن من العرب من يستثقل ضمة الواو ، كما يستثقل كسرة الياء في أول الحرف فيهمزها ، فيقول : هذه أجوه حسان بالهمزة ، وينشد بعضهم : يحل أحيده ويقال بعل * ومثل تمول منه افتقار وقوله : لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ يقول تعالى ذكره معجبا عباده من هول ذلك اليوم وشدته : لأي يوم أجلت الرسل ووقتت ، ما أعظمه وأهوله . ثم بين ذلك : وأي يوم هو ؟ فقال : أجلت لِيَوْمِ الْفَصْلِ يقول : ليوم يفصل الله فيه بين خلقه القضاء ، فيأخذ للمظلوم من الظالم ، ويجزي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ يوم يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة وإلى النار . وقوله : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وأي شيء أدراك يا محمد ما يوم الفصل ، معظما بذلك أمره ، وشدة هوله ، كما : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ تعظيما لذلك اليوم . وقوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى ذكره : الوادي الذي يسيل في جهنم من صديد أهلها للمكذبين بيوم الفصل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ويل والله طويل . القول في تأويل قوله تعالى أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يقول تعالى ذكره : ألم نهلك الأمم الماضين الذين كذبوا رسلي ، وجحدوا آياتي من قوم نوح وعاد وثمود . ثم نتبعهم الآخرين بعدهم ، ممن سلك سبيلهم في الكفر بي وبرسولي ، كقوم إبراهيم وقوم لوط ، وأصحاب مدين ، فنهلكهم كما أهلكنا الأولين قبلهم . كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ يقول : كما أهلكنا هؤلاء بكفرهم بي ، وتكذيبهم برسلي ، كذلك سنتي في أمثالهم من الأمم الكافرة ، فنهلك المجرمين بإجرامهم إذا طغوا وبغوا . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بأخبار الله التي ذكرناها في هذه الآية ، الجاحدين قدرته على ما يشاء . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ يقول تعالى ذكره : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ أيها الناس مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعني من نطفة ضعيفة ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب حد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ يعنى بالمهين : الضعيف . وقوله : فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ يقول : فجعلنا الماء المهين في رحم استقر فيها فتمكن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فِي قَرارٍ مَكِينٍ قال : الرحم . وقوله : إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ يقول : إلى وقت معلوم لخروجه من الرحم عند الله . فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة : " فقدرنا " بالتشديد . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة بالتخفيف . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، فبأيتهما قرا القارئ فمصيب ، وإن كنت أوثر التخفيف لقوله : فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ، إذ كانت العرب قد تجمع بين اللغتين ، كما قال : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً